نخبة من الأكاديميين

442

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

السياسية أو سياسة الإيديولوجيا يبدو على غير ما ينبيء به هذا الباطن المتداخل عندما يتعلق الأمر بما سُمّي بالإسلام السياسي ، وحتى بالإسلام الدين أحياناً . فنظرة كل من طرفي الثنائية إلى الآخر لا تسبح تحت مياه الجواني ولا تأخذ به ، إنما ترى إليه « غشتالتياً » فإذا هو غير الآخر ، أو كذلك يتوهم ، أو كذلك يريده أن يكون . عند ذاك تملأ الجفوة الفراغ الفاصل الحاصل بين الطرفين ، وتزيد « البارانويا » في مَدِّ هوة الخوف والتوجس والتكاره والتباعد حتى حدود القطيعة ، بل إلى حافة هاوية العداء المستحكم أحياناً . لا يقولنَّ أحدٌ ، من قبل أو من بعد ، إنَّا نسينا أو أهملنا طرفاً ثالثاً / " عالماً " ( أو أكثر ) يُحتمل وجوده بين طرفي الثنائية أو خارجهما . لأننا ندرك صحة هذا الوجود العيني ونعرف تأويلاته ورموزه وخطابه العقلاني . إلا أننا بحساب القدرة وموازين القوى وفاعلية التأثير وبحساب عصبيات الاصطفاف وتمركزها ، نحسبه ، فما نجده إلا نخبوياً أو مستضعفاً أو مغلوباً على أمره وعلى غيره أيضاً - ، وذلك برغم أهميته على مستوى النوع وكذلك على المستوى الحضاري والاستراتيجي . لم يكن للعالم بعد انكفاء الحرب الباردة واتجاه النظام الدولي إلى الارتماء في قبضة المنتصر الإيديولوجي والثقافي والسياسي والاقتصادي وتقدم الديمقراطية الليبرالية ومنظوماتها لملء الفراغ الكبير الذي خلفته الماركسية التي أطيح بها ، لم يكن للعالم والحال هذه إلا أن يجد نفسه عالقاً في مصيدة أحادية قطبية غربية بقيادة أميركية إمبراطورية « 1 » أفقدت العلاقات الدولية الحد الأدنى من التوازن الذي كان قائماً . قبالة هذي الاندفاعة التي باتت شبه مطلقة الحركة في كل الاتجاهات والتي اعتبرها فرانسيس فوكوياما : " نهاية التاريخ " ، وهو جذلان بمفاعيل دوار الغلبة المتحققة عام 1989 ثم استفاق منها لاحقاً ، ومع إِرهاصاتها وتباشيرها الأولى ، كانت الثورة الإسلامية في إيران وارتداداتها في قلب العالم الإسلامي قد أصبحت منذ عام 1979 حاضرة في قلب الصورة المشهدية للعالم كأحد أهم ممثليها ، وَشُبِّهَ المشروع الحضاري الإسلامي الذي احتضنته ودعت إليه تلك الثورة للمخيال الاستراتيجي المنتصر كغريم موضوعي وبديل عن الشيوعية ، وذلك مع ميل البعض من مفكري الغرب ، ومنهم فرانسيس فوكوياما نفسه إلى التشكيك في صحة المقارنة بين " الخطر الإسلامي " والحرب الباردة . " ذلك أن الإسلام لا يقارن بالشيوعية " . « 2 » وسرعان ما تحول مشروع الاستنهاض الإسلامي هذا إلى الحصاة التي كسرت بالتموجات غير المتناهية التي أحدثتها سكونية مياه العالم الإسلامي التي كانت راكدة على مدى قرون ، ذاهلة عن سبيل تمرد وانعتاق ، مضروبة بحيرة البدائل والخيارات الإيديولوجية أو الوطنية أو القومية وتلك المتعلقة بالانتماء إلى هوية قطرية أو إلى الهوية الكونية الكوسموبوليتية . . . « والماء فوق ظهورها محمول » . كان من الطبيعي ، في ضوء هذا التحول الاستراتيجي « 3 » ، أن يصطدم المد الغربي المعولم والمترع

--> ( 1 ) في 30 أيلول 2005 نشرت صحيفة ( JYLLANDS POSTEN ) الدانمركية اثني عشر رسماً كاريكاتورياً للنبي محمد ( ص ) اعتبرها المسلمون في العالم مسيئة ومهينة لمقدساتهم . وعندما حاول أحد عشر سفيراً لدول مسلمة في الدانمارك لقاء رئيس وزرائها للاحتجاج ، رفض الأخير استقبالهم مما أثار حفيظة السفراء وتنديدهم بموقف رئيس الوزراء في 19 تشرين الأول / أكتوبر 2005 . على أثر ذلك انفجرت احتجاجات متدرجة ومتناسخة ثم عارمة في شتى البلدان الإسلامية والعالمية كان لها وما يزال تداعيات وترددات محمولة على دلالات وترميزات هامة . أنظر كتابنا : " مسلموا العالم والغرب جيوبوليتيك الإحتقان " ص / 9 . ( 2 ) تراجع فوكوياما عن بعض أطروحاته التي أودعها كتابه الشهير « نهاية التاريخ » إلى درجة اعتبار الكتاب كله مجرد « نقاش حول الحداثة ونوعاً من الحجة الماركسية لوجود عملية طويلة للتحول الاجتماعي ، لكنها عملية تنتهي بالديموقراطية الليبرالية بدلًا من الشيوعية » حسب قوله - ( أنظر كتابه : « State building » ، لا سيما منه ص 149 / وما بعدها ، وانظر دراسته المنشورة في مجلة « نيويورك تايمز ماغازين » ، وقد نشرتها معربة جريدة السفير - بيروت عدد 24 شباط / فبراير 2006 ) . ( 3 ) Voir : Huntington , Samuel - « Qui Sommes nous ? » - p . p 253 et apres .